من خلال المتابعة البسيطة لطبيعة السجال الدائر في الوقت الحالي داخل الإطار الفكري ، وضمن دهاليز المشهد الثقافي عموما في بلادنا . يتضح للمشاهد عمق القضية باعتبار أن مايدور يعبر بالتالي ، عن مواقف شرائح وفئات اجتماعية ، تجسد حالة الحراك المجتمعي الراهن بكل أبعاده .
ورغم قسوة وعنفوان بعض محطات هذا السجال ومخارجه . ومع مابها من تشنج قاتل في بعض منطلقاتها . فإنها تشير إلى عدة ظواهر حية وملموسة ، تنطوي على أبعاد إيجابية وسلبية ، أصبح مجتمعنا يعيشها في الواقع الفعلي ، وذلك في مجمل تطوره وتفاعله في حياته الخاصة ، وفي إطار محيطه الأقليمي والدولي – مؤثرا ومتأثرا – بوتائر ومستويات مختلفة .
ولعل أول هذه الظواهر وأهمها ، يعبر عنه حالة الإنفراج النسبي الذي أتاح لبعض الفئات لكي تعبر عن نفسها ووجودها بحدود ماهو ممكن ، وذلك على حساب المواقف المتشددة لبعض المؤسسات والرموز الفاعلة في مسيرتنا الثقافية . إذ كانت لاتقبل المنافسة وتقيد الآخر بوسائط مختلفة ، معتدة برأيها الصائب و غير القابل للنقض ، معتمدة من أجل ذلك منهج الإقصاء بوسائل عنيفة وقهرية إذا لزم الأمر . لذا صار هذا الانفراج المكتسب ، والذي غدا حقيقة واقعية ، مصدر إثارة لمن لا يطيق الحوار ولا يحبذه ويجهله ، مما دفع به إلى إطلاق فتاوى تبلغ العنق ، وجرى رفع مستوى التصريحات الجارحة إلى مستوى مؤلم . مع أن مثل ذلك لا تليق بمقام من يدعي العلم والاصلاح ،ولكنها تقدم الدليل عن فقدان الصواب . وأن اصحابها لم ولن يتعلموا قيم السجال السلمي في مجالي الفكر والثقافة . لذا صفقوا يرفعون سقف الكارثة والمماحكات ، ويطلقون صواريخهم العنيفة في كل صوب ، بما في ذلك التهديد وحرق المؤسسات العامة .
أما الوجه الآخر لهذه الظواهر .فتتجلى بحالة التواصل التاريخي على صعيد الفكر والحراك الثقافي ، التي مر بها وجربها مجتمعنا إلى أن وقف الأمر على هذا الشكل . لقد مر بعدة مراحل متنوعة .. متجددة ... صاخبة ... هادئة ، ولكنها تتفاعل وتتحاور مع مستجدات الثقافات الأخرى بأنواعها . تتأثر ببعضها ، وفي حالات أخرى ترفضها وتقاومها لدواعي الخصوصية . وفي مشاهد أخرى تشيع مقاطعتها لأسباب الانغلاق الذاتي ، مفتقرة للندية العلمية المحاورة المقاومة بنفس الوقت ، من موقع ومنطلق التأصيل .
وإذا كان المطلوب في هذا المجال ، ليس الإدغام التام والمطلق ، مما يجتث الخصوصية والهوية ( وهو عمليا أمر صعب ، لأن ذلك ضد قوانين الحياة ) فإن الأمر بالحالتين يتطلب فتح النوافذ لمعرفة ما يحدث بالشارع من حراك ليتسنى الحكم عليه .
في كل الأحوال ، وكما يبدو ، فإن الأزمة ليست بانطلاق الحوار بين الفعاليات الفكرية والتنوع الثقافي واختلاف المرجعيات . ولكن الأزمة في نوعية السجال وطبيعته وموضوعاته وشكل التجاذبات ومصدرها وغاياتها وآفاقها . نعم ، يجب الإقرار بوجود تباينات كبيرة بين هذه الفعاليات بغض النظر عن مسمياتها ومصادرها الفكرية . ولكن المهم كيف تدار هذه الأزمة بعقلانية وبروح التسامح ، بعيدا عن روح التعالي والاستحواذ والحقد والانتقام . وإنما من منطلق الحرص على الوحدة الوطنية واعتبار مايحدث من سجال يجب أن يبقى في إطار ثقافي ومجتمعي شامل ومتشابه ، باعتبار أن الكل يتلمس الحقيقة مستندا على طبيعة تطور الحياة وتنوع إيقاعها .
إن رفع مستوى السجال وقصف الرؤوس يبدأ من الكلمة وصلافتها . وفعلا كما قال الملك عبدالله مؤخرا في كلمته أمام مجلس الشورى في دورته الخامسة إن : « الكلمة أشبه بحد السيف بل أشد وقعا منه « والكلمة تفعل فعلها كما نوه الملك عبد الله أيضا في هذا المحفل بقوله : « إذا اصبحت الكلمة أداة لتصفية الحسابات والغمز كانت معول هدم».
لهذا يبدو أنه في حال استمرار رفع مستوى السجال فإن الأمور تتفاقم نحو الأسواء ، وأن الفتنة أخذت تطل برأسها البشع بعدة أشكال وأصناف ، وتحت عدة مظلات ولافتات . فلابد من التصدي لها ولجمها.